التقدم التكنولوجي ينسف التكهن بأفول عصر النفط

views مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 19 يونيو 2017 - 3:06 صباحًا
التقدم التكنولوجي ينسف التكهن بأفول عصر النفط

التقدم التكنولوجي ينسف التكهن بأفول عصر النفط
سلام ألشماع
وقود للطاقة والحروب
تروّج أوساط اقتصادية وسياسية نظرية جديدة تعتقد من خلالها أن الحروب والمتغيرات، التي شهدتها المنطقة العربية، والحرب في سوريا وعليها، تقف وراءها صراعات دولية على الغاز، الذي بدأ نجمه بالسطوع، بينما بدأ نجم النفط بالأفول.
ويرى مروّجو هذه النظرية أن صراعات الغاز تدور بين جهتين، تضم الأولى الولايات المتحدة وقطر وتركيا، وتسعى هذه الجهة إلى مدّ أنابيب الغاز القطري عبر سوريا نحو تركيا ومنها إلى أوروبا. أما الجهة الثانية فتستقتل على مدّ خط الغاز الروسي عبر سوريا أيضاً.
وفند خبراء نفطيون وسياسيون صحة هذا الترويج وعدّوه مضلاً وخادعاً وضرباً من الخيال والتنظير السياسي، ومحاولة لتبسيط تفسير مسألة من أكثر الأمور تعقيداً في الوقت الراهن.
ومع أنهم جميعاً اعترفوا بتصاعد أهمية الغاز إلا أنهم رفضوا القول إن عصر النفط قد انتهى، مشيرين إلى “صعوبة عملية احتكار خطوط الغاز أمام امتلاك بلدان عدة كميات مهمة عالمياً منه”.
النفط عنصر أساسي
يرفض عصام الجلبي، الخبير النفطي العالمي ووزير النفط العراقي الأسبق، هذه النظرية ويضعها ضمن خانة نظريات المؤامرة المنتشرة، منذ مدة.
ويلفت الجلبي إلى أن “النفط سيبقى يمثل العنصر الأساسي في مجال الطاقة في العهود المقبلة، وإن حقق الغاز تقدما، فإن مشكلات نقله والعوامل الجيوسياسية لخطوط الأنابيب أو تكاليف التسييل والنقل ستبقي استهلاكه أكثر ضمن حدود الدولة المنتجة له”.
مشيراً إلى أن “العهود السابقة أثبتت أن تطور التكنولوجيا ساعد على اكتشاف احتياطيات نفطية جديدة وباتت تجارية أكثر في ضوء ارتفاع أسعار النفط، منذ أواخر سبعينات القرن الماضي”. ويؤيد الخبير النفطي سعدالله الفتحي ما ذهب إليه الجلبي، ويرى أن “الوضع الحالي في الخليج دليل على أن مدّ قطر لخط أنابيب نحو أوروبا عبر سوريا لا يوجد إلا في أذهان أولئك الساعين إلى تفسير مبسط للوضع المأساوي في سوريا”.
وينقل عن ناصر التميمي، الخبير القطري المستقل في مجال الطاقة قوله “إن البنية التحتية في قطر لا تملك ما يكفي من الغاز لبيعه إلى أوروبا من خلال خط أنابيب، لأن معظم العقود طويلة الأجل حاليا إلى آسيا (الغاز الطبيعي المسال)، في حين أن الطلب داخل قطر آخذ في الارتفاع”.
وأوضح المحلل والاستشاري النفطي العراقي فالح حسن خياط أن “روسيا ليس من مصلحتها أن يكون تصديرها للغاز إلى أوروبا عن طريق سوريا، لكونها ماضية في التصدير من خلال الأنابيب المارة عبر حلفائها القدامى في شرق أوروبا”.
وبيّن أن “إيران اكتفت بمدّ أنبوب محدود السعة إلى الحدود التركية حيث تعدّ جنوب آسيا وشرقها سوقها الأساسية للغاز المسال بواسطة الناقلات، وشبه القارة الهندية للغاز الجاف بواسطة الأنابيب”، منوهاً إلى أن “قطر لا ترغب في إيصال غازها عن طريق سوريا، لأنها إذا فعلت ذلك فإن الأنبوب سيمر بثلاث دول هي السعودية والأردن وتركيا، وبكلفة إنشاء وتشغيل باهظة، فلماذا تفعل ذلك عندما تكون سوقها الأساسية جنوب وشرق آسيا عن طريق الغاز المسال والمنقول بالبواخر وبعقود مجزية طويلة الآجل”.
ويقول الخياط إن “الأنبوب الوحيد، الذي كان من المزمع أن يصل إلى تركيا عن طريق سوريا هو أنبوب الغاز العربي لإيصال الغاز المصري والعراقي الفائض إلى جنوبي تركيا، ومن ثمّ إلى جنوبي أوروبا ولكن العمل فيه توقف شمال الأردن، وحتى لو اكتمل هذا الأنبوب فالكميات، التي يحملها من الغاز الفائض، لا يمكن أن تنافس أياً من المصادر الأخرى في السوق الأوروبية”.
ويتابع “ليس هناك دليل يثبت علاقة الأزمة السورية ومحاورها بحقوق مرور الغاز حيث إن ما جرى كان الهدف منه إسقاط الأسد وخلق نظام جديد يقوده الإخوان المسلمون امتدادا للربيع العربي، إلا أن متغيرات وعوامل تدخلت لتقلب هذا الهدف، وفي مقدمتها انفراد تنظيم الدولة الإسلامية ونصرة إيران وروسيا للرئيس السوري بشار الأسد وبروز العنصر الكردي على الساحة وتأييد الولايات المتحدة ومعارضة تركيا له”.
ويرفض الخياط التكهنات بأفول عهد النفط ويقول إن كل تلك التكهنات نسفها التقدم التكنولوجي، الذي قاد إلى استكشافات نفطية جديدة وتطوير تقنيات لاستغلال مخزونات هائلة من النفط غير التقليدي كالنفط الصخري، ما جعل العالم يعيش في تخمة عرض نفطية كبيرة أدت إلى انخفاضات كبيرة في الأسعار، مشدداً على أن “نسبة الغاز لن تتجاوز نسبة النفط في السنوات العشرين المقبلة، على الرغم من التزايد النسبي في حصة الغاز ضمن ميزان الطاقة العالمي، وعلى الرغم من أن نسبة نمو الغاز ستكون أسرع من نمو الطلب على النفط ولكن الطلب على النفط سيستمر في الارتفاع”.
وذكرت إحصائية لشركة بي بي البريطانية أجرتها في هذا العام أن نسبة استهلاك النفط في ميزان الطاقة العالمي سينخفض من 35 بالمئة في العام 2015 إلى 30 بالمئة في عام 2035 في حين أن نسبة الغاز في الميزان سترتفع من17 إلى 22 بالمئة خلال المدة نفسها. وزاد الطلب على النفط بما معدله 1.0 مليون برميل في اليوم سنويا خلال العهد الماضي .
أضرار احتكار الغاز
لكل من النفط والغاز استعمالاته وخصائص نقله واستخداماته، فقد يمكن الاستعاضة عن النفط في توليد الكهرباء ولكن لا يمكن ذلك في وسائط النقل، ومن هنا يأتي تأكيد الخبراء النفطيين أن النفط والغاز موارد طاقة مترابطة، وسيبقيان معنا سوية في المستقبل البعيد المنظور.
ويعترف الباحث والكاتب السياسي صلاح المختار بتصاعد قيمة الغاز ولكن في المقابل يؤكد أن “عصرنا الراهن مازال عصر النفط ويحتاج الغاز إلى زمن طويل كي يصبح استهلاكه موازياً لاستهلاك النفط لأسباب عملية صرفة فحتى لو افترضنا أن النفط يتراجع فإن تحوله إلى سلعة بائرة يحتاج، على الأقل، إلى نصف قرن، وهي مدة تآكل المصانع والآلات المعتمدة على النفط ناهيك عن المصالح الكبرى للشركات النفطية العملاقة التي لن تستسلم بسهولة ولعل انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية كيوتو حول المناخ خير دليل على قوته الاستمرارية”.
ويرى أن “النفط ليس طاقة تشغيل فقط كي تتراجع قيمته، بل هو مادة أساسية في الصناعة البتروكيمياوية الضخمة، التي تعوض عن تراجع دور النفط كطاقة، فيبقى سلعة استراتيجية مهما تراجعت قيمته كطاقة”.
ويشير إلى أن “تعاظم أهمية الغاز، بصفته طاقة نظيفة، سوف يجبر أطرافاً كثيرة منتجة للنفط أو مستهلكة له على البحث عن تكنولوجيا جديدة تقلل من تلويث النفط للبيئة، إلى أقصى درجة، فكما أن الفحم مازال مستعملاً حتى في الولايات المتحدة على الرغم من صعود النفط والغاز والطاقة الشمسية فإن النفط لن ينتهي كطاقة مهما تراجعت قيمته”.
ويرجح المختار ذلك إلى أن “منتجي الغاز عددهم محدود ومن ثم فإن احتكار الغاز والتحكم في سوقه بصفة تلحق الضرر بالأطراف الأخرى، سوف يخلقان صراعات أكثر خطورة مما جرى ويجري ما دامت كل دولة تريد الاحتفاظ بمواردها وتعظيمها وليس فقدانها وتراجعها”.
ويقول “لو أخذنا الأرقام الخاصة بإنتاج الغاز العالمي لوجدنا ما ينسف تلك النظرية، إذ تشير إلى أن احتكار خطوط الغاز صعب جداً ما دامت هناك بلدان عدة تملك غازاً بكميات مهمة، فإذا وضعنا الولايات المتحدة وروسيا وهما أكبر منتجين للغاز فإننا أمام بلدان متقاربة في كميات غازها ولا تستطيع أي منها تحقيق احتكار عالمي كامل”. ويستنتج من الإحصائيات الخاصة بالغاز أن العالم لن يشهد احتكار خطوط الغاز بسهولة ما دامت دول عديدة تملك غازاً بكميات هامة وليست قليلة وهذا يتطلب اتفاقا عالميا على تصدير الغاز، تماماً، مثلما أجبرت الدول المنتجة للنفط على إنشاء منظمة أوبك، وإلا فالبديل هو الحروب التجارية وربما العسكرية وهو خيار تريد الدول المنتجة للغاز كافة تجنبه لأنه يشكل انتحارا حقيقيا لها.
ويبدو أن ربط الحرب في سوريا والصراع بين روسيا والولايات المتحدة، بالغاز ليس سوى عمل مخابراتي رخيص حتى لو صيغ بلغة ناجعة، وهدفه هو منح صفة مقاومة الولايات المتحدة لمن لا يستحقها، عملياً ونظرياً، وهما بشار الأسد وعلي خامنئي، فالتدقيق في أصل هذا الترويج سيقودنا إلى أنه صادر عن المخابرات السورية والإيرانية.
كاتب عراقي

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وكالة الحدث الدولية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.