من أجل طالبة واحدة :علي جعفر العلاق

views مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 19 يونيو 2017 - 5:04 صباحًا
من أجل طالبة واحدة :علي جعفر العلاق

من أجل طالبة واحدة
علي جعفر العلاق
في اليابان، وفي جزيرة نائية مغطاة بالثلج والرياح، ثمة أمر يصعب تصديقه، مع أنه يحدث يومياً. يأتي القطار إلى تلك الجزيرة مرتين كل يوم من أجل راكب واحد لا أكثر. هناك محطة وحيدة معزولة، لا يقصدها أحد تقريبا. ولا توفر للحكومة أي مردود مادي. حتى بات إغلاقها أمراً مفروغاً منه. عربات القطار ترتجف من شدة البرد والمطر، وتكاد تصدأ تحت تلك الأجواء العاصفة المكفهرة. كانت تتوق، دون جدوى، إلى ركاب ينتظرون قدومها متلهفين. يدفئون بأنفاسهم عرباتها الفارغة، وينسجون من انتظارهم اليومي هذا تفاصيل حياة داخلية حميمة، وذكريات عن لحظات الصقيع التي لا تنسى. وكان القرار بأغلاق تلك المحطة النائية قد تم اتخاذه. غير أن إدارة السكك الحديد تراجعت عن هذا القرار في اللحظة الأخيرة، لأن هناك طالبة واحدة، واحدة فقط ، كانت في حاجة إلى هذه الخدمة اليومية، إذ كانت تذهب إلى مدرستها الثانوية كل يوم
وهكذا أُلغي أمر الإغلاق، وتحتم على القطار أن يستمر في المجيء إلى هذه المحطة مرتين في اليوم، كان عليه أن يضبط إيقاعه مع إيقاع طالبة وحيدة في المرحلة الثانوية من دراستها.
وظلت تلك العربات تشق طريقها يومياً بين الثلج وتحت الغيوم المثقلة بالظلام. قطار ليس له إلاّ مهمة واحدة: أن يحرس أحلام هذه الطالبة، ويضمن استمرارها في الدراسة لثلاث سنوات أخرى، حتى تنهي تلك المرحلة من حياتها الدراسية.
وحين ننتشل أرواحنا مضطرين من هذه الحقيقة اليابانية التي تفوق الخيال ترفا يكاد يفيض عن الحاجة، لنعود إلى حقيقتنا العراقية المزرية فلا نجد أمامنا إلا النقيض المطلق، الذي يفوق الخيال، النقيض العراقي المفرط في وحشيته وتخلفه وجهله. فلدينا شيء يصعب تخيله أيضاً، أطفال يمضون طفولتهم في مدارس مبنية من الطين والقش والحرمان. يتكومون بأجسادهم الطرية على أرض عارية وتحت سقوف من سعف النخيل والغبار.
في بلد يعج بالثروات والمواهب والكفاءات حين لا يجد بعض أطفالنا إلاّ أياماً متوجة بالحرمان، وإلاّ مدارس من الطين العاري. يدخل الشتاء بوحوله وغضبه وفوضاه، فيقتحم على التلاميذ الصغار السقوف المتداعية والجدران الآيلة للسقوط ، ويترك على ذاكرة كل منهم أحداثاً مرّة وندوباً لا تمّحي. وحين تشتعل نهارات الصيف الخانقة، وتغدو السماء مثل فرن كوني طافح بالشرر، تتحول تلك المدارس الطينية إلى أقفاص من الطين المشوي. وهكذا ينشأ بعض أطفالنا حفاة عراة ما تنسموا رائحة الفرح ولا عرفوا لطفولتهم طعماً.
فأين نحن من ذلك الرفاه الوافر الذي تنعم به شعوب أخرى، فيتسع، ويعمّ، ويغمر حتى جزرها النائية وقراها البعيدة؟ أين نحن من تلك الحكومات العادلة؟ ألا نستحق، نحن العراقيين، حياة غير هذه؟ ألسنا جديرين بحياة أكثر جمالاً من حياتنا التي نحياها، والتي يشوبها العوز، والخوف، والخراب والكراهية…؟
ويظل منسوب الألم يرتفع إلى أعلى مستوياته، حتى لا أجد متسعاً لصراخ الروح، ولا لغة لهذا الطوفان من الأسئلة.

باهر/12

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وكالة الحدث الدولية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.