ardanlendeelitkufaruessvtr

ثقافة الثأر

بقلم حميد سعيد كانون2/يناير 12, 2019 23

ثقافة الثأر
كانت حضارة وادي الرافدين وكان غيرها من الحضارات الأولى، المصرية والصينية والإغريقية وغيرها، في التفتح والتأثير والإضافة.
لا تبنى الثقافة ولا توطد إلا عبر لقاء المجموعات البشرية المتباينة
ما أقصده بثقافة الثأر، هو ما نقرأه أو نسمعه أو نشاهده في تصرفات وطقوس تستحضر صراعات الماضي، سواء كان هذا الماضي بعيداً أم قريباً، من دون وعي بالمتغيرات، بل من دون قراءة متأنية لذلك الماضي وتحديد مسببات تلك الصراعات وما اقترنت به من خلافات والإفادة من تجاربها لتجاوز مثيلاتها في الحاضر.
وما يمكن أن نلاحظه بوضوح، أن ثقافة الثأر هذه، مقولات وسلوكاً، لا تتعلق بالماضي فقط ولا بالجماعات التي يستعبدها الماضي بأحداثه وأفكاره، بل يمارسها أفراد وجماعات وتنظيمات، تردد في أطروحاتها بأنها تعمل على تغيير الحاضر من دون أن تعي أنها لم تتغير، وعياً وموقفاً.
لقد شهد التاريخ الإنساني بجميع جغرافياته وجميع مجموعاته البشرية، في معظم مراحله التاريخية، خلافات وصراعات وحروبا وغزوات وهجرات، منها ما تواصل طويلاً ومنها ما انتهى سريعاً، غير أنها جميعاً تنتهي إلى واقع جديد ومختلف حيث يسود الوئام ويعم الاستقرار والسلام.
ومن الطبيعي أن تترك حالات الصراع، ذكريات غير محببة، وكتابات ذات طابع تحريضي يتضمن مبالغات غير موضوعية مرتبطة بزمنها وبالدور المناط بها في زمن الصراع، غير أن ثقافة الثأر تحاول أن تجعل منها نصوصاً مقدسة وروايات لا يأتيها الباطل من أي الجهات، ورغم أن الكثير من عوامل الصراع تتغير وتخمد نيرانها، غير أن ثقافة الثأر تتمسك بها وتعمل على تأويلها باتجاه التصعيد وتضيف إليها كل ما يجدد الصراع ويزيد نيرانه اشتعالاً.
ومن مفارقات هذه الثقافة، أن من تتوجه إليهم، لا علاقة لهم بكل ما كان، إلا بعلاقة ما وجدوا عليه آباءهم وما نشأوا عليه في محيط اجتماعي متعصب ومنغلق، وحين أجد شخصاً متعصباً لقضية أو حادثة من الماضي، ويرى كل من يختلف معه بشأنها، عدواً، أسأله: هل كنت حاضراً في أيام الصراع، وهل استشارك من تتعصب له الآن؟! وإذا قبلنا مرارة هذه الحالات في ما يتعلق بالماضي البعيد، الذي ترسخ لدى كثيرين وصار عندهم أقرب إلى المقدسات فإن مرارة من يتعامل مع الكثير من الأحداث المعاصرة بالتوجه ذاته، هي الأكثر أذى واستسلاماً لثقافة الثأر، فقد شهد عالمنا المعاصر أحداثاً جاءت نتيجة صراعات هامشية، وانقسم جيل معين، في الموقف منها، غير أننا نجد من يرث هذا الانقسام ويرث معه موقف الجماعة التي تأثر بها، فيكرر مقولات الماضي ويزيد عليها، وبدلاً من أن يتعامل معها نقديا كتجربة إنسانية، يجعل منها ميدانا للخلاف ودعوة لاستمرار الصراع حتى كأن كل ما تركه الآخر شرٌ ينبغي محوه، وسأضرب مثلاً لا أقترب من خلاله إلى ما يجعلني طرفاً في ثقافة الثأر، وذلك ما حدث في ولاية باميان بأفغانستان، حيث دمرت التماثيل البوذية مفتتح الألفية الثالثة، وهي التي ظلت شاخصة على امتداد 15 قرنا من السلطات الإسلامية،
ولو توقفت عند هذا التوجه التدميري على صعيدي القول والممارسة في ما يتعلق بالمختلف، لانتهيت إلى موسوعة تنكأ الجراح، غير أن الكتابة عن ثقافة الثأر تحديداً، لا تحول دون استحضار مواقف إيجابية من الآخر، ويحضرني موقفان من التاريخ الرافديني القديم، حيث عثر الملك البابلي نبونوئيد في خرائب مدينة سبار القديمة على جزء من رأس الملك سرجون الأكدي، فأمر بترميم التمثال، وحين تم العثور على مكتبة آشوربانيبال، كانت تضم الكثير من الألواح التي تنسب إلى الحضارات التي سبقت الحضارة الآشورية، فكانت كما قال نيكولاس بوستغيت: “أساس معرفتنا بأدب وادي الرافدين”.
وبهذا التوجه كانت حضارة وادي الرافدين وكان غيرها من الحضارات الأولى، المصرية والصينية والإغريقية وغيرها، في التفتح والتأثير والإضافة.
أو كما قال الكاتب الإسباني خوان غويتسيلو: “لا تبنى الثقافة ولا توطد إلا عبر لقاء المجموعات البشرية المتباينة، وبالمقابل فإنها تذوي وتختنق في الانكفاء والانغلاق”.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه