ardanlendeelitkufaruessvtr

حقوق الملكية الفكرية أضاعتها القرصنة الإلكترونية

بقلم أمير العمري نيسان/أبريل 24, 2019 84

حقوق الملكية الفكرية أضاعتها القرصنة الإلكترونية
أمير العمري
من السارقين والمنتحلين من يصر على أنك ربما تكون السارق، بينما هو بريء تماما من تهمة السرقة، أو في أفضل الأحوال يعزو السرقة إلى “توارد الخواطر” ويطلب منك أن تتمتع بالأريحية وتقبل أن يسرقك بصدر رحب!
انتشار الإنترنت يشجع لصوص المقالات
 لا شك أنه مع الانتشار الكبير لشبكة الإنترنت انتشرت السرقات الأدبية، فقد أصبح من السهولة بمكان استخدام طريقة “كوبي”، “بيست” أو القص واللصق، ويوميا تنقل العشرات من المواقع المقالات من هنا وهناك دون استئذان أصحابها، وغالبا من دون ذكر اسم الكاتب، وإذا وضعت الاسم فإنها لا تشير إلى المصدر الأصلي الذي نقلت عنه، بحيث يبدو كما لو أن الكاتب قد كتب مقاله لهذا الموقع (الناقل) خصيصا، وأحيانا يبدو أن الأصل هو الذي سرق من السارق، وهي معضلة أخلاقية تتعلق بانهيار تقاليد العمل الصحافي وضرب عرض الحائز بما يسمى “حقوق المؤلف” أو “حقوق الملكية الفكرية”.
وأظن أن هذه الظاهرة عربية فقط، أي توجد وتنتشر في العالم العربي أساسا، فلم ألمح لها أثرا في المواقع الأجنبية التي أطلع عليها، ولا حتى في المدونات الشخصية التي تنشر في مجال السينما والكتابة عن الأفلام أو “النقد السينمائي”.
عبر سنوات طويلة من اشتغالي بالكتابة، عانيت كثيرا من السارقين والمنتحلين والمقتبسين، ومررت بالكثير من التجارب منها ما هو مؤلم ومنها ما هو طريف، وعلى سبيل المثال وصل الأمر بأحدهم ذات يوم إلى أن سرق مقالا لي كان منشورا في موقع “بي. بي. سي. العربي” وهو موقع معروف ومنتشر كثيرا.
وقد سرق السارق مقالي حرفا بحرف، أي من الألف إلى الياء، ووضع اسمه مكان اسمي على المقال بكل جرأة، وقد أمكنني بعد بحث، التوصل إلى هذا السارق، فأرسلت إليه رسالة بريد إلكتروني أنذره فيها بأنني سأقاضيه في بلده، وقد أطالب بتطبيق حد السرقة عليه كما يطبق بالفعل في هذا البلد المعروف، أي بقطع يده.
وكان المدهش أن تصلني منه رسالة يبدي فيها أسفه وندمه ويعد بعدم تكرار فعلته، بل ويعرض أي تسوية أريد بما في ذلك أن يدفع لي تعويضا ماليا!
لم أقبل عرض صاحبنا، واكتفيت بتعهده بعدم تكرار ما فعله مرة أخرى، والغريب أنه كتب ومازال يكتب المقالات بل وقد أصدر أيضا كتابا عن الأفلام، ولكني لم أعد أتابعه أو أتابع ما يكتبه، وبالتالي لا أعرف مقدار الاجتهاد ومقدار “السطو” في ما ينشره.
ولكنه كان على أي حال مهذبا في اعتذاره وهو ما لا يحدث عادة، فالمعتاد أنك إذا ضبطت أحدهم متلبسا بالجرم المنشود، أن يقابل احتجاجك وغضبك بالكثير من الصلف وقلة الأدب أو في أفضل الأحوال تجاهل شكواك تماما وهو ما تفعله العشرات من المواقع التي تعيش وتتعيّش على نهب مقالات الآخرين.
ولكن من بين هذه المواقع من يحاول القائمون عليها أن يدخلوا في روعك أنهم يسدون لك خدمة جليلة عندما يعيدون نشر مقالاتك، ومن السارقين والمنتحلين من يصر على أنك ربما تكون السارق، بينما هو بريء تماما من تهمة السرقة، أو في أفضل الأحوال يعزو السرقة إلى “توارد الخواطر” ويطلب منك أن تتمتع بالأريحية وتقبل أن يسرقك بصدر رحب!
في مقتبل حياتي وعندما بدأت الكتابة في “نشرة نادي سينما القاهرة” في السبعينات، فوجئت بسرقة أكثر من مقال من مقالاتي ونشرها تحت اسم آخر في إحدى المجلات الأسبوعية التي كانت تصدر في العراق. وقد غضبت غضبا شديدا وقتها، وأخذتني غيرة الشباب وحميته، والاعتزاز بما كنت أكتبه، فأرسلت إلى رئيس تحرير المجلة أشكو الأمر وضمنت رسالتي البريدية إليه الأصل المنشور بتاريخ سابق على النشر في مجلته بالطبع.
مضت فترة قصيرة وسافر الصديق الناقد السينمائي (الراحل) سمير فريد إلى بغداد لحضور مهرجان كان مخصصا هناك للأفلام التي تنتج في العالم عن القضية الفلسطينية، ثم عاد يسألني مداعبا “ما الذي فعلته يا رجل؟ حرام عليك”.
فلما استوضحته الأمر، أوضح قائلا إنني تسببت في طرد الرجل من المجلة، وأنه مسكين يستحق الشفقة والعطف فهو متزوج من سيدتين ولا يجد لديه وقتا للكتابة ويريد تحسين دخله المحدود الذي لا يكفي الانفاق على بيتين وزوجتين. ثم أضاف سمير العبارة التي مازلت أتذكرها جيدا حتى اليوم “الحقيقة أنك يجب أن تكون سعيدا بما حدث، فالرجل لا يسرقك بل هو ‘مؤمن بك’ فهو يستعين بنص مقالك من البداية إلى النهاية، أي أنه مقتنع بكل كلمة تكتبها!”.
فوجئت في أحد الأعداد التالية من المجلة ذاتها، بتنويه يشير إلى أن المجلة تلقت شكاوى تفيد بقيام “فلان..” بالسطو على مقالات الآخرين (كذا) وأن المجلة قامت “بالاستغناء عن خدماته”!
انتابني بعض من تأنيب الضمير، لكن الطريف أن “صاحبنا” نفسه سطا بعد فترة على دراسة كاملة من الدراسات المنشورة في “نشرة نادي السينما” عن فيلم “المخدوعون” لتوفيق صالح، وكانت بقلم الكاتب المعروف مجيد طوبيا، ونشرها باسمه في مجلة “الدوحة”.
وللمرة الثانية تنشر “الدوحة” في عدد تالٍ، اعتذارا عن نشر المقال المسروق، وهو ما استنتجت منه أن مجيد طوبيا انتبه لما حدث معه، لينتهي صاحبنا “السارق” إلى مصير مجهول حتى اليوم!
تعلم البعض الآن أن يسرق بحنكة أكثر من فكرة “الإيمان بالكاتب”، أي أن يكتفي باقتباس فقرات كاملة وحشوها بين سطور يؤلفها، وقد وصلتني منذ فترة قريبة، رسالة من “فاعل خير” لا أعرفه، يلفت نظري إلى أن أحد مقالاتي الحديثة منشور باسم آخر في إحدى الصحف مصرية.
وعندما فتحت الرابط وجدت اسم الصحافية السارقة وكنت أعرفها، فأرسلت إليها تحذيرا قاسيا، فأخذت تعتذر وتطلب العفو والسماح متذرعة بأن ما فعلته من “أخطاء المبتدئين” وأنني يجب أن أساعدها وأتفهم ظروفها.
وقد غفرت السرقة وإن لم أكن واثقا من أنها لم تكررها مع مقالات أخرى سواء لي أو لغيري، وبصراحة لم أعد أكترث، فأنت لن تستطيع مهما فعلت وحتى لو تفرغت، أن تعمل كاتبا وضابط شرطة معا!
كاتب وناقد سينمائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه