ardanlendeelitkufaruessvtr

قادة رأي بمرتبة سماسرة في تونس

بقلم طارق القيزاني حزيران/يونيو 16, 2019 123

قادة رأي بمرتبة سماسرة في تونس
طارق القيزاني
تصدر رجل المال والإعلام نبيل القروي، عديم الخبرة السياسية، آخر استطلاع لنوايا التصويت مهين للأحزاب الكبرى ومن دون أن يكون له حزب فعلي أو برنامج انتخابي واقعي.
الانتخابات تشغل بال التونسيين
هناك مختبر سياسي فريد من نوعه في تونس، فالنتائج التي تقدمها استطلاعات الرأي لنوايا التصويت في الانتخابات المقررة لعام 2019 تمنح المتابعين للوهلة الأولى انطباعا صادما إزاء السلوك الانتخابي المتوقع، في ديمقراطية ناشئة لكنها متحركة.
بحسب تلك النتائج لم تعد غالبية الأصوات تميل إلى الأحزاب التقليدية كما فقد المعيار الجمعي، الديني والأيديولوجي، جاذبيته لدى الناخبين. والنتيجة أن مرشحين بلا خبرة وبلا غطاء سياسي وليس لهم أحزاب وبرامج باتوا يتصدرون المشهد السياسي وهم مستعدون لقلب الطاولة على الأحزاب الكبيرة والسياسيين المخضرمين.
وبينما يبدو هذا الأمر كباعث للقلق وغير قابل للتصديق داخل مؤسسات الحكم، فإن النتائج لا تخرج عما توصل إليه بالفعل منظرو علم الاجتماع وعلم النفس والإعلام في منتصف القرن الماضي حينما نسفوا بدورهم الاعتقاد الراسخ قبل ذلك بشأن سطوة وسائل الإعلام والاتصال.
تجاوز العالم الغربي منذ فترة طويلة نظرية “الحقنة تحت الجلد” التي سادت منذ عشرينات القرن الماضي وثبّتت لعقود مفهوم هيمنة وسائل الإعلام وقدرتها الفعّالة في التحكّم بمواقف الجماهير وتوقّع استجابتها للمضامين بشكل مسبق، داخل مجتمعات متماثلة.
تؤمن هذه النظرية وفق ما حدّده خبراء الإعلام والاتصال بقوة الوسيلة وضعف الفرد كونها تعتمد الاتصال المباشر بالجماهير، مستفيدة من تطور وسائل الاتصال الجماهيري كالإذاعة والسينما والصحف الكبرى، ونظرية المجتمع الجماهيري والدراسات النفسية كنظرية المنبه-الاستجابة.
لكن هذه النظرية استفادت أيضا في فترة ما بين الحربين العالميتين من تقنيات الدعاية والتعبئة التي كشف عنها عالم الاجتماع والإعلام هارولد لاسوال في كتابه “الإعلام زمن الحرب”، والروسي سيرج تشاخوتين في كتابه “الدعاية السياسية واغتصاب الجماهير” وغيرها أيضا من المؤلفات والبحوث الاجتماعية والإعلامية.
كانت لهذه الدراسات وبشكل تلقائي رجع الصدى في وقت لاحق في العالم العربي مع أنظمة الحكم العسكرية والشمولية وحكم الحزب الواحد، وهي لا تزال تحتفظ بسطوتها في مناطق واسعة. لكن ما تفسير ما يحصل في تونس اليوم.
التفسير الأقرب إلى هذا ما توصل إليه عالم الاجتماع والإعلام بول لازارسفيلد في أربعينات القرن الماضي حينما وضع أسس نظرية تدفق الإعلام على مرحلتين، وقد نجح عبر دراسته لسلوك الناخبين في انتخابات 1940 في نسف الرأي الذي ظل سائدا آنذاك بقوة وسائل الإعلام و”الحقنة تحت الجلد”.
جاءت نظرية لازارسفيلد لتفسر النجاح المفاجئ للمرشح الديمقراطي إلى الرئاسة الأميركية، فرانكلين روزفلت على حساب الجمهوري وينديل ويكلي، على الرغم من مرضه والحملة الإعلامية الشرسة التي تعرض لها من أجل دعوة الناخبين لعدم التصويت له.
"قادة الرأي" في تونس يتهافتون على إقناع الناخبين بالتصويت لمرشحين بعينهم"قادة الرأي" في تونس يتهافتون على إقناع الناخبين بالتصويت لمرشحين بعينهم
أرجع لازارسفيلد وباحثون من “جامعة كولومبيا” نجاح روزفلت في الصعود إلى الرئاسة لولاية ثالثة على التوالي على نحو مخالف لتوقعات ورغبة وسائل الإعلام، إلى الدور الذي لعبه “قادة الرأي” في الحد بشكل كبير من تأثير وسائل الاتصال الجماهيري المباشر على سلوك الناخبين.
ينطلق رأي “مدرسة كولومبيا” من أن الفرد لا يتخذ سلوكا انتخابيا خارج الجماعة التي تحيط به، إن كان يرتبط بمحيطه المهني أو العائلي أو الجهة التي ينتمي لها، وأن داخل تلك المجموعات هناك “قادة رأي” بمثابة وسطاء يتولون مهمة إقناع الناخبين وتحديد خياراتهم في التصويت وفق المصلحة العامة.
في تونس لم يحصل الأمر كذلك بشكل اعتباطي، إذ تصدر رجل المال والإعلام نبيل القروي، عديم الخبرة السياسية، آخر استطلاع لنوايا التصويت وحل في المركز الأول للرئاسية بنسبة 23.8 بالمئة كما هو الحال في البرلمانية بنسبة 29.8 بالمئة بفارق مهين للأحزاب الكبرى ومن دون أن يكون له حزب فعلي أو برنامج انتخابي على الأرض.
وينسحب الأمر على الأكاديمي الجامعي المختص في القانون الدستوري قيس سعيد الذي حل ثانيا في نوايا التصويت للرئاسية، مع أنه بلا سجل سياسي سواء في الحكم أو المعارضة. كما صعد “الحزب الدستوري الحر” الذي يمثل واجهة النظام القديم قبل الثورة ويوصف بالشعبوي، ليحتل المركز الثالث في التشريعية والرئاسية مع أن ممثليه لا يظهرون بشكل متواتر في وسائل الإعلام الجماهيرية.
لم يكن هذا الصعود من فراغ أيضا، ظهر القروي على مدى أشهر في اتصال مباشر مع الجماهير عبر حملات تبرع وموائد إفطار موجهة في عدة مناطق قبل إعلانه الرسمي الترشح. كما نظّم سعيد جلسات للنقاش مع الجمهور مستندا إلى فصاحته وقوة التبليغ، بينما جاب الدستوريون البلاد في حملات جماهيرية للتسويق لفشل السلطة الحاكمة ونموذج الحكم الذي ظهر على أنقاض النظام القديم.
مع أن “مدرسة كولومبيا” لم تعد اليوم مرجعا رئيسيا لتحديد السلوك التصويتي للناخبين في الولايات المتحدة إلا أن تفسيراتها بشأن تأثيرات الإعلام ودور المجموعات في توجيه آراء الناخب ما تزال تلقى صدى في عدة مناطق بالعالم.  لكن سيكون من الإجحاف وضع مفهوم “قادة الرأي” في قالب واحد بالنظر إلى ما يحصل في تونس على الأقل.
فإذا كان قادة الرأي قد نجحوا قبل عقود في إقناع الناخبين الأميركيين بالتصويت لروزفلت انطلاقا من برنامج انتخابي ووعود بشأن إصلاحات اقتصادية في فترة ساد فيها الركود ومخاطر الحرب العالمية الثانية، فإن تهافت “قادة الرأي” في تونس على إقناع الناخبين بالتصويت لمرشحين بعينهم دون برامج وأحزاب ومقابل وعود تتجاوز الصلاحيات المضمنة في الدستور، يجعل من دور هؤلاء أقرب إلى السمسرة والمتاجرة بدل المصلحة العامة. وتلك هي لعبة الديمقراطية أيضا في هذا البلد.
صحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث






Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه