ardanlendeelitkufaruessvtr

الشرق لم يبلغ بعد سن الرشد

بقلم مفيد نجم تشرين2/نوفمبر 12, 2019 118

الشرق لم يبلغ بعد سن الرشد
مفيد نجم
تغير العالم كثيرا لكن رؤية النخب الغربية إلى المشرق وبلدان العالم غير الغربي لم تتغير أو هي غير مستعدة للتنازل عن قمة الهرم.
الغرب ينظر إلى المشارقة من أعلى
لا يعثر المتابع لما ينشر في الثقافة الغربية من أنطولوجيات وسلاسل اختيارات لأهم مئة كتاب وكتاب عالمي على حضور ما لكتاب من المشرق العربي أو المشرق عموما، وكأن آداب هذه المنطقة من العالم غير موجودة، أو أنها دون المستوى الفكري والجمالي الذي يؤهلها لأن تكون مدرجة في هذه القوائم من الكتب والاختيارات.
كانت الثقافة الغربية قبل القرن التاسع عشر تتعامل مع كتابة المرأة بكثير من الدونية والتهكم باعتبار أن الإبداع والفكر هي صفة خاصة بالرجل. واليوم يعيد المثقف والكاتب الغربي نفس الطريقة في التعامل مع ثقافة وأدب الشرق، وكأن الإبداع وإنتاج الأفكار هي صفة خاصة بالرجل الغربي والحضارة الغربية، في حين أن ما يكتب من أدب في هوامش المشرق ليس سوى كتابة لم تبلغ سن الرشد حتى تنال اعتراف كتاب المركز الأوروبي بها.
كان يمكن للقارئ أو الكاتب العربي أن يتقبل مثل هذا الموقف على الرغم من عنصريته قبل قرن من الزمن، أما وأن الأدب العربي وآداب الشرق الأخرى قد فرضت حضورها الإبداعي على خارطة الإبداع الإنساني، فإن تجاهل وجودها وقيمتها الإبداعية يعد استمرارا لعقدة التفوق التي تسعى هذه النخب الغربية إلى استمرار تكريسها وكأنها حقيقة عابرة للزمان أو هي صفة أصيلة مازال كتاب المشرق يفتقرون إليها لنقص في تكوينهم الأدبي والإبداعي. إن هذه المركزية التي لا يزال ينطلق منها العديد من كتاب الغرب ودارسوه تعكس وعيا مأزوما لا تزال تعاني منه هذه النخب ويتجلى في استمرار دورانها حول نفسها وانغلاقها على ذاتها.
ينسى أو تتناسى هذه النخب العاجزة عن الانفتاح على آداب المشرق مدى التأثير الذي مارسه أدب المشرق على الأدب الأوروبي، كما تتناسى أن العديد من كتاب المشرق والذين يعيشون في الغرب قد تفوقوا على كثير من كتابهم وأن الأدب الذي قدموه ظل حاملا لروح الشرق وتاريخه وعراقة أدبه. إن استمرار ظاهرة التجاهل لأدب المشرق  يكشف أن الذاكرة الثقافية للغرب تتناسى فضل العديد من آداب المشرق وفي المقدمة منها الأدب العربي القديم على آداب الغرب وثقافاته، حيث لم يكن كتاب “ألف ليلة وليلة” الكتاب الوحيد الذي ترك أثره الكبير على كتاب الغرب بعد أن تمت ترجمة الكتاب إلى الفرنسية والإنكليزية.
ولا يخفى التأثير الذي مارسه كتاب رسالة الغفران لأبي العلاء المعري على جحيم دانتي وكذلك كتاب حي بن يقظان وغيره من كتب التراث العربي القديم. إن هذه القيمة السحرية لهذه الكتب لم تكن استثناء فقد استطاعت الرواية العربية ومعها الشعر العربي الحديث أن يحققا إنجازات مهمة ليس بمقدور أي كاتب أو ناقد موضوعي في الغرب أن يتنكر لأهميتها من حيث قيمتها الأدبية والإنسانية، ولذلك كان تتويج هذا الأدب ممثلا بأعمال نجيب محفوظ بجائزة نوبل هو اعتراف بالقيمة الأدبية والفكرية التي بلغها هذا الأدب، لكن جهات أخرى تريد أن تقفز فوق كل هذا وتحذف أدب المشرق من قائمة الإبداع العالمي.
إن عقدة المركزية التي لا تزال تسيطر على عقول العديد من الكتاب والباحثين الغربيين هي التي تجعلهم يرفضون الاعتراف بقيمة الآداب المكتوبة بلغات غير اللغات الأوروبية. ولعل تجربة الشاعر الفلسطيني محمود درويش المخيبة للآمال خلال إقامته في باريس مثالا واضحا على هذا الانغلاق الغربي على الذات والاستمرار في تمجيدها إلى الدرجة التي تمنعهم من رؤية أي إبداع خارج الجغرافيا المعروفة للغات الأوروبية، وكأنهم الآباء الحقيقيون للأدب والفكر والفنون، وكل ما عدا هذا فهو مزيف وتقليد لا يستحق التأمل أو الاعتراف بقيمته الأدبية أو الفنية. إن هذا التنميط الذي تمارسه هذه النخب هو الذي يجعلهم يضعون المشرق كله في سلة واحدة، طالما أنهم الآخر المختلف الذي لم يبلغ درجات الرشد في الفكر والأدب والفن.
إن هذا الموقف الاستعلائي لا يتوقف على معدي الأنطولوجيات وهذه الاختيارات التي يقوم بها كتاب وناشرون في الغرب، بل هو نتاج ثقافة وتقاليد لا تزال رائجة في هذه الثقافة منذ زمن بعيد، والدليل على ذلك هو إحجام الكثير من دور النشر الغربية عن ترجمة الأدب العربي ومعه آداب المشرق إلى لغاتها. ولا يختلف القارئ الغربي في هذا الموقف عن هؤلاء الكتاب باعتباره ابن هذه الثقافة المكرسة بتفوقها. يغيب اهتمام هذا القارئ بقراءة الأدب المترجم من لغات الشرق وربما هو السبب في عزوف دور النشر عن ترجمة هذه الآداب، بينما نجده يقبل بحماس على قراءة كتب الأدب والفكر الغربية بما فيها الكتب التي كتبها أدباء من أصول مشرقية طالما أنهم يكتبون هذا الأدب بلغاتهم.
إن هذه المفارقة عند القارئ والناشر الغربيين هي استمرار لنزعة المركزية التي لم تعد مقبولة في زمن التحولات والمتغيرات الكونية التي جعلت الكاتب المشرقي حاضرا في ساحة الفعل الإبداعي العالمي. والغريب أن هذا الموقف الاستعلائي تجاه الآداب والثقافات المشرقية لم يستطع النقد الواسع والذي جاء به من قبل كتاب ومثقفين غربيين أن يحد من حالة التورم الأنوي عند هذه النخب الغربية، ما يعيدنا مرة أخرى إلى الموقف الاستعماري الذي لا يزال البعض في ما يبدو واقعا تحت تأثيره، وغير مستعد للتحرر منه، خاصة وأن العولمة التي أسقطت الحدود الجغرافية قد ألغت مثل هذه المركزية بعد أن أسهمت بصورة كبيرة في توفير جميع وسائل الحصول على المعرفة ومصادر المعلومات.
لقد تغير العالم كثيرا لكن رؤية هذه النخب الغربية إلى المشرق وبلدان العالم غير الغربي لم تتغير أو هي غير مستعدة للتنازل عن قمة الهرم الذي تضع نفسها فوقه وتستبعد أي وجود للآخرين إلا عند قاعدته أو بعيدا عنه باعتبارهم أبناء ثقافات عقيمة لا تسمح للإبداع والفكر أن يتطور لكي ينال بركات واعتراف هذه النخب.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه