ardanlendeelitkufaruessvtr

قول في خطل القول

بقلم حميد سعيد كانون1/ديسمبر 06, 2019 138

 

قول في خطل القول
حميد سعيد
هناك كتّاب يطلقون القول على عواهنه من دون تدقيق أو مراجعة أو مرجع أمين، فتختلط دوافع خطل القول.
اللجوء إلى الكذب
أما الخطل فهو فساد الرأي، والخطل في القول، الفساد والفحش والوهم والخطأ، ومن معانيها في اللغة طول الأذنين مع رخاوة فيهما، وفي العامية العراقية يقال للغبي كثير الخطأ والزلل، هذا شخص أخطل ويقال للمرأة بهذه الأوصاف، خطلة، وفصيحها خطلاء، وأخطل وخطلة يكثر ورودهما في كلام العراقيين، ومما قيل في الدعاء: نستغفر الله من خطل القول ومن خطأ العمل، وقال ابن قتيبة في كتابه الفريد “أدب الكاتب”، “ونحن نستحب لمن قبل عنا وأئتم بكتبنا، أن يؤدب نفسه، قبل أن يؤدب لسانه، ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه، ويصون مروءته من دناءة الغيبة وصناعته من شين الكذب، ويجانب قبل مجانبة اللحن وخطل القول، شنيع الكلام ورفث المزح، وبهذا القول كأن ابن قتيبة يجعل من خطل القول أكثر قبولاً من شنيع الكلام ورفث المزح، وللرجل رأيه”.
وما دمنا نتناول الخطل والأخطل، ينبغي أن نتوقف عند الشاعر العربي الأخطل التغلبي الذي يعدّ ثالث ثلاثة من كبار الشعراء في العصر الأموي، جرير والفرزدق والأخطل، وسمي الأخطل، لحماقة ارتكبها في طفولته، أما الشاعر اللبناني الكبير بشارة الخوري الذي اتسم شعره بالرقة والجمال، وهو كما تؤكد لنا سيرته، كان بعيداً عن الخطل في شعره وفي حياته، غير أنه لقّب بالأخطل الصغير، لتأثّره بالأخطل التغلبي وبخاصة في غزله وخمرياته.
إن ما ألجأني إلى هذه المفردة الملتبسة، التي تكاد تغيب عن التداول في الكتابة، أنْ وقع في يدي منذ أيام كتاب، مما يكتب في أيامنا هذه، فيطلق الكاتب القول على عواهنه، من دون تدقيق أو مراجعة أو مرجع أمين، فتختلط دوافع خطل القول، فلا يتبين المتلقي، الوهم من الكذب، وللوهم أسبابه التي يمكن تجاوزها ومن ثم إعادة القول إلى جادة الصواب، بل يمكن أن نجد للوهم ما يسوغه، من النسيان واختلال المصادر، بل يمكن أن نعده تجوزاً، وجهة نظر.
غير أن الكذب، الصادر عن خلل تربوي أو اختلال نفسي، فعل تخريب على أكثر من صعيد، وبخاصة حين ينتقل من حال القول العابر إلى حالة الكتابة، حيث يتلقاها من لا يتوفر على وعي نقدي، فيتقبّلها على أنها حقيقة، وفي مثل هذا التلقي إساءة خطيرة.
وإذ كنت أحاور ما ورد في الكتاب المذكور من وهم وكذب، أو لأقل من وهم بمستوى الكذب، تذكرت بيتين من الشعر، لأحيحة بن الجلاح، حيث قال:
“والصمت أحسن بالفتى / ما لم يكن عِيٌ يشينه
والقول ذو خطلٍ إذا / ما لم يكن لُبٌ يعينه”.
ولا أشك أن قارئاً فطناً، سيسأل، من أحيحة بن الجلاح هذا، ومن أين جئت به ومن أي الحفائر، فأقول: إنه من شعراء ما قبل الإسلام، وكان من دهاة العرب وشجعانهم، ووصفه الميداني بالقول: إنه سيد يثرب، وأذكر أنني قرأت هذين البيتين ومن ثم حفظتهما ورددتهما، في كتاب مصادر الشعر الجاهلي لأستاذنا الراحل الدكتور ناصرالدين الأسد، هذا الكتاب الموسوعي الذي لم يترك شاردة أو واردة في ما يتعلق بالشعر العربي قبل الإسلام، بل بالحياة العربية والثقافة العربية وقتذاك، مصادرها ومساراتها ومنجزاتها، لذا رافقني ورافقته منذ العام الجامعي الأول، أقرأه وأراجعه وأعود إليه، محاوراً متأملاً.
لا أريد أن يأخذني شغفي بهذا الكتاب وإعجابي به، بعيداً عن الموضوع الذي أردت الوقوف عنده، لكن لا بد من القول، إن الدكتور ناصرالدين الأسد في كتابه هذا قد كشف الكثير من خطل القول، مصححاً ومقوّما.
وهنا يحضر سؤال لا بد منه، لماذا يعمد كاتب إلى الكذب، والكذب كما قلت من قبل من أسوأ أنواع خطل القول، وأُفرد الكاتب في سؤالي هذا، لأن الكاتب يقترف حين يكذب، من الانحراف وتعميم الخطأ، ما لا يقترفه شخص عادي، لا يتعدّى كذبه شخصاً واحداً أو عدداً قليلاً من الأشخاص ممن يستمعون إليه.
لكن في زمننا هذا، حيث تقدّم وسائل الاتصال وتعددها وسعة انتشارها وسرعته، وتوفر فرصة القول لكل من يريد القول، من دون شروط أو حدود، ومن دون رقيب موضوعي ذي خبرة وتجربة، بقدر ما تتوفر حرية القول، قد لا تتوفر حرية الرأي، والفرق واضح بين القول الذي يطلق على عواهنه، والرأي الصادر عن وعي ومراجعة وتأمل وتجربة، وحرية القول هذه اقترنت بكثير من خطل القول، ومن يتابع بعض ما يصدر عن وسائل الاتصال، مما ينتشر انتشارا واسعا أحيانا، ويصل إلى كثيرين ممن يتقبلونه بعيدا عن فضاء النقد والحوار، يجد كمّا من الادعاء ومثله من الكذب، قد لا يمحو الحقيقة ولكنه يخلط الأوراق ويغبش ما بين الخيط الأبيض والخيط الأسود.
لقد قرأت ما كتبته الدكتورة سلمى الجنابي، عن تجربة أجرتها مع طلبتها، إذ طلبت منهم الكتابة عن شخصية سياسية، على أن يعود كل منهم إلى ما يجده في “كمبيوتره” من أقوال عن هذه الشخصية.
وتقول “كانت النتائج تتسم بالغرابة، فمنهم من رآه قديساً ومنهم من رآه إبليساً، ومنهم من ضاع بين تناقض ما وجد من مقولات عنه”.
وهذه النتائج بفعل ما يواجه المتلقي من تدخلات كثيرة لا ضابط لها، لا نتجاوز الحقيقة حين نصف بعضها بأنها من خطل القول.
كاتب عراقي


Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/alhadathcenter/public_html/templates/ts_news247/html/com_k2/templates/default/item.php on line 285
قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث






Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه