ardanlendeelitkufaruessvtr

الحكومات العمياء

بقلم د. عبد الله الردادي أيار 25, 2020 167

الحكومات العمياء
د. عبد الله الردادي
عند معرفة الاطلاع على مشكلة في بلد ما، فإن مراكز المعلومات الحكومية تكون المصدر الأول لجميع الباحثين، وذلك لعدة أسباب منها أن الحكومات هي المصدر الموثوق الذي ينشر المعلومة دون أجندة خفية أو مصالح غير معلنة. ومنها كذلك أن الكثير من البيانات لا يمكن جمعه إلا من قبل الحكومات نفسها، سواء كان ذلك بسبب التخصص، أو بسبب عدم انتفاع جهات أخرى منها غير الحكومة نفسها. وهذه البيانات هي ركيزة أساسية للحكومات الحديثة في اتخاذ قراراتها، ومستند رئيس لصناع القرار باتخاذ قراراتهم ومن ثم متابعة نتائجها. وتطورت هذه البيانات حتى أصبح من النادر أن يتحدث مسؤول حكومي دون أن يعرض بيانات وأرقاماً يؤيد بها موقفه.
وحتى تتمكن الحكومات من معرفة وجود معضلة، لا بد لها من تحديد المشكلة وفهمها من خلال جمع بيانات متعلقة فيها، وتساعد هذه البيانات صانع القرار في تحديد القضايا الاجتماعية أو الاقتصادية. ولعل أسهل مثال على ذلك هو معدلات البطالة، فلا يمكن لأي حكومة اتخاذ قرارات في مجال الموارد البشرية دون معرفة معدلات البطالة، وليس المعدل كنسبة فقط، بل بتفاصيل أدق، كمعدل أعمار العاطلين عن العمل، وتخصصاتهم، والمناطق الجغرافية التي تتركز فيها البطالة، كل هذه البيانات تقود إلى اتخاذ قرارات مهمة، ودون هذه المعلومات فإن الحكومة لن تستطيع وضع يدها على المشكلة. واتخاذ الإجراء في مثل هذه الحالة قد يؤثر في عدة جهات حكومية، ليس على مستوى الموارد البشرية والمؤسسات المتعلقة بها فحسب، بل قد يؤثر في التعليم والتخصصات التي تتركز فيها البطالة، والتخصصات المطلوبة في المستقبل. كما تمكن معرفة المناطق الجغرافية التي تتركز فيها البطالة من توجيه الاستثمار والشركات إلى هذه المناطق بتقديم التسهيلات الحكومية والحوافز المالية في هذه المناطق.
وتحليل البيانات بشكل عام سواء كانت البطالة أو غيرها يمكن الحكومة من معرفة المشاكل الملحّة قبل تفاقمها، فعلى سبيل المثال وفي ضوء جائحة كورونا، يشكل معدل الأعمار في المناطق عاملاً مهماً في معدل الوفيات فيها، وعند معرفة معدل الأعمار لمدينة أو لقرية، تتمكن الحكومات من اتخاذ القرارات التي تتناسب مع هذه المدينة، مثل تركيز الخدمات الطبية فيها بشكل أكبر، أو فرض قوانين حظر تختلف عن غيرها. وبمعرفة أكثر المدن المحيطة المرتبطة بهذه المدينة، تستطيع الحكومات معرفة إمكانية انتقال الحالات المصابة من وإلى هذه المدن. وهذه المعلومات وغيرها حساسة بشكل كبير في معرفة سلوك انتقال الفيروس، ودونها سيكون من الصعب على الحكومات السيطرة على الوباء.
وبعد جمع البيانات، وتحليلها ومعرفة أنماطها ومن ثم اتخاذ القرارات بشأنها، تتبقى خطوة مهمة، وهي جمع البيانات للتأكد من التأثير الإيجابي لهذه القرارات على القضايا المطروحة. وغالباً ما تكون هذه البيانات كميّة على شكل مؤشرات قياس وغيرها. ودون هذه المؤشرات فلن تتمكن الحكومة من معرفة عما إذا حققت أهدافها وغاياتها من هذه القرارات. كما لن تستطيع الحكومات بناء مخزون معرفي يسهل عليها اتخاذ القرارات في المستقبل.
وبإمكان الحكومة بعد هذا كله نشر البيانات بمراحلها وهي تحديد المشكلة، وإثبات وجود المشكلة من خلال البيانات، وتحليل البيانات ومعرفة الأنماط واتخاذ القرارات المناسبة، ومن ثم مراقبة نتائج القرارات. سواء كان النشر مجانياً أو بثمن، والهدف من هذا النشر هو تمكين الباحثين من دراسة هذه البيانات وإصدار المنشورات العلمية حولها والتعمق في الدراسات الاجتماعية والاقتصادية للبلد. والمتطلع للدول الأنجلوسكسفونية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا يراها متفوقة في الكثير من المجالات بسبب وجود هذه الإحصائيات وإتاحتها للباحثين، لدرجة أن الكثير من الباحثين من غير هذه الدول يصدر دراسات عن مواضيع متخصصة متعلقة بهذه البلدان مثل سلوك الشركات والمستثمرين في أسواق الأسهم، وليس ذلك من باب اهتمام في الدولة نفسها، ولكن لأنها الدول الوحيدة التي توفر بيانات تفصيلية متعلقة بهذه المواضيع. أي أن هذه الدول وبمجرد توفيرها للبيانات جعلت المجتمع البحثي شريكاً في تطويرها دون أن يكلفها ذلك شيئاً.
إن البيانات الإحصائية لحكومة منارة للحكومات في اتخاذ قراراتها، ودون هذه البيانات فإن الحكومات عمياء لا تستطيع معرفة مشاكلها الداخلية في كثير من النطاقات. ومن غير هذه المعلومات القيمة يكون اتخاذ القرار في الكثير من الأحيان ارتجالياً مرتبطاً بعوامل أخرى لا علاقة لها بالقرار نفسه. ولأن هذا القرار كان ارتجالياً بالأصل، فإن معرفة آثاره ستكون شيئاً أقرب للمستحيل.
باحث سعودي

قيم الموضوع
(0 أصوات)
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه